أبو ريحان البيروني
103
القانون المسعودي
البلاد المذكورة ، ولنمثل ببلد بلغار الموغل في الشمال وبمدينة عدن الجنوبية عنه إذ لا تزال مكة تجمع بين أهليهما في الحجّ نفرا فيتحوّل بخبرهم السماع من الثقة إلى ما يشاكل العيان وهذا النهار بحدود عدن لا يفضل على الاثنتي عشرة ساعة شيئا كثيرا وفي حدود بلغار لا يقصر عن السبع عشرة ساعة إلّا يسيرا ، فبين طلوع الشمس أو غروبها فيهما ساعتان ، فعند طلوعها على عدن يكون قد ارتفعت ببلغار بقدر حصة الساعتين فالظاهر ببلغار من السماء في جهة المشرق الصيفيّ ومغربه ذلك المقدار الذي ليس بظاهر لعدن ، وتستدير تلك القطعة في أسفل القطب وكذلك الظاهر لعدن من جهة المشرق الشتويّ ومغربه مثل ذلك المقدار وهو خفّي عن بلغار ، وإذا كان الأمر على هذا قلنا حينئذ إن خط العرض في الأرض لا يخلو من أحد الأوضاع المتقدمة أعني المستقيم والمنحني بالتقعير أو التحديب ، فأما الاستقامة فموجبها ثبات القطب في ارتفاعه على حاله بالمسير على ذلك الخط نحو الشمال أو الجنوب وبقاء أعظم الدوائر الأبدية الظهور المماسّة للأرض على مقدارها ، والكواكب التي في ضمنها على عددها لكن الوجود ينافيه وينفيه فليست الأرض في هذا الامتداد بمستقيمة وأما التقعير فموجبه أنّ ما حصل لساكن شفيره الجنوبي من حال القطب والكواكب الأبدية الظهور إذا أخذ منه نحو الشمال يأخذ في النقصان في المرئي ولا يزال يتناقص على الإمعان فيه لكن الأمر في الوجود على خلافه من تزايدها وهو موجب للتحديب والاستدارة فالأرض إذا في هذا الامتداد مستديرة وإذا كانت كذلك في جهتي الطول والعرض معا وجب لسطحها الكريّة ثم ليس نتوّ الجبال وإن شمخت بمخرجها عن ذلك لصغرها بالقياس إلى كلها فإنها لا يقوم منها إلا مقام الخشونة القادحة في استواء السطح دون استدارة الكل ، فإن تخالجت الشكوك قلب متأمل فظن أن هذه الاستدارة تختصّ المعمور من الأرض دون باقي الجوانب كما ذهب إليه بعض أئمة المتكلمين عدلنا للتوثقة إلى دليل آخر من ظلّ الأرض ، فمعلوم أن شكل ظلّ المستنير من السراج يكون على الجدار بصورة الفصل المشترك بين ما أضاء من الشيء وبين ما أظلم منه إن استدار فمدوّرا وإن تثلّث فمثلّثا وإن تربع فمربّعا وإن استطال فمستطيلا ، وعلى هذا سائر الأشكال ، ونحن إذا تأملنا كاسف القمر أحسسنا حروفه بالاستدارة وخاصّة إذا قسنا قطعة بين بدء الكسوف وتمامه وبين أول الانجلاء وآخره فاطّلعنا على أكثر دوره ونظام محيطه وعلمنا أن الفصل المشترك بين ما يستضيء من الأرض وبينهما ينبعث الظلّ منه هو دائرة ، ثم ليست الكسوفات مقصورة من الشمال والجنوب على جهة واحدة ومن الانحراف فيهما على مقدار واحد ومن الليل أيضا على وقت